.stream-item-widget-content { display:none; }

على ضفاف الذاكرة وفي قلب الأصالة.. الشارقة تسرج خيول التراث وتوثق حكاية الأجداد في عرسها الثالث والعشرين

حضور مغربي بارز في أيام الشراقة للتراث

الشارقة – خاص لميدي نيوز -أحمد الحريشي

حين تفتح الشارقة نوافذها لشهر فبراير، فإنها لا تستقبل مجرد أيامٍ في التقويم، بل تشرع أبواب الذاكرة على مصراعيها، معلنةً عن موسمٍ يفوح بعبق الماضي، حيث يتجدد اللقاء بين “وهج الأصالة” ولهفة الحاضر. هكذا تجلى المشهد في الدورة الثالثة والعشرين من “أيام الشارقة التراثية” (4 – 15 فبراير 2026)، التي حولت الإمارة الباسمة إلى متحفٍ حيّ ومسرحٍ مفتوح، يروي سيرة الأرض والإنسان، ويمد جسوراً من “سعف النخيل” و”حبر التوثيق” بين الأجيال.

من “قلب الشارقة” إلى “الحمرية”: جغرافيا الحنين

لم يكتفِ العرس التراثي بالبقاء في “قلب الشارقة” النابض، بل امتدت يد الفرح لتصافح المدن والضواحي، حيث كانت منطقة “الحمرية” المحطة الثانية التي استقبلت قوافل التراث، مفتتحةً فضاءاتها مساء الجمعة بحضور رسمي وشعبي تقدمه سعادة أبوبكر الكندي، مدير معهد الشارقة للتراث، ومسؤولو المنطقة.

في الحمرية، لم يكن المشهد مجرد ديكورات، بل استعادةً أمينة لتفاصيل الحياة الأولى. طاف الزوار في أروقة “القرية التراثية” التي اختزلت جغرافيا الإمارات؛ من قسوة الصحراء في البيئة البدوية، إلى زرقة البحر في البيئة الساحلية، وصولاً إلى خضرة البيئة الزراعية. هناك، وقفت “مزرعة القمح” شاهداً على مواسم الحصاد القديمة، بينما تناثرت الأسواق الشعبية لتعرض كنوز الأسر المنتجة، وتفوح منها روائح المأكولات التي طهتها أيدي الجدات، في تلاحم فريد بين الحرف اليدوية والفنون الشعبية التي شاركت فيها فرقٌ إماراتية، وعانقتها أنغامٌ قادمة من “كرواتيا”، لتؤكد أن التراث لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة.

ذاكرة بحجم طابع.. توثيق اللحظة

ولأن الذاكرة إن لم تُدوّن تتفلت، شهدت هذه الدورة حدثاً تاريخياً استثنائياً، حيث تحول “وهج الأصالة” إلى أيقونة بصرية صغيرة بحجمها، عظيمة بمدلولها. فقد أطلق “بريد الإمارات” بالشراكة مع معهد الشارقة للتراث، أول طابع بريدي يوثق مسيرة “الأيام”.

وقد اكتسب هذا الإصدار قيمته العليا بتوقيع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي مهر الطابع بإمضائه، ليحوله من ورقة بريدية إلى وثيقة وطنية. تضمن الإصدار ستة تصاميم حملت رمزيات الفرح والاستقرار، وتصدرها “المدفع التراثي”، ذلك الرمز الذي انتقل في الوجدان الشعبي من أداة حرب إلى بشير فرح واجتماع في الأعياد. وكما أكد سعادة أبوبكر الكندي، فإن هذا الطابع يمثل “ذاكرة بصرية تعبر الأجيال”، ليبقى شاهداً على أن الشارقة لا تكتفي بصنع الحدث، بل تخلده.

Screenshot

حوار العقول وصون الهوية

لم تكن الأيام مجرد احتفالات صاخبة، بل كانت واحة للفكر والتأمل في “بيت النابودة” ومقهاه الثقافي. هناك، عُقدت ندوات نوعية، أبرزها تلك التي استضافت دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، حيث استعرض الدكتور موسى الهواري تجربة العاصمة في تحويل المتاحف والمواقع التاريخية—من قصر الحصن إلى متحف اللوفر—إلى فصول دراسية مفتوحة، تدمج السرديات التاريخية في وعي النشء.

وفي زاوية أخرى من الفكر، نوقشت “الحرف التراثية” لا بصفتها سلعاً، بل كـ”ذاكرة مكان”. حيث أكد الباحثون والفنانون، أمثال عبد الله صالح والدكتور خالد متولي، أن الحرفة هي ابنة بيئتها، وأن صونها يتطلب تحديثاً يضمن بقاء جوهرها حياً في زمن العولمة، لتكون جسراً يربط الكفاح القديم بالإبداع الحديث.

سيمفونية النخيل والأرض

وفي زاوية “البيئة الزراعية”، كان الزمان يعود قروناً إلى الوراء. جلس الوالد عبدالله علي الشحي ينسج من “خوص النخيل” حكاية الصبر، صانعاً “الجراب” الذي كان خزينة الغذاء للأجداد. شرح للحاضرين كيف يتحول الخوص الأخضر بفعل الشمس وأيادي النساء الماهرات إلى أوعية تحفظ التمر “البرحي” و”كأس حبش”.

لم يكن العرض مجرد صناعة، بل درساً في “الأمن الغذائي” القديم؛ من تخزين التمر في “المدبسة” مع المنكهات الطبيعية، إلى تقنيات الري بـ”اليازره”. لقد قدم هذا الجناح، بمنتجاته من خضروات ومخللات وحقائب يدوية صاغتها الوالدة مريم علي رشاد، دليلاً ملموساً على أن الأرض كانت ولا تزال، الملاذ الأول للإنسان الإماراتي.

Screenshot

إسدال الستار.. وبقاء الأثر

ومع اقتراب رحيل شهر فبراير، أسدلت الشارقة الستار على دورتها الثالثة والعشرين، في ختامٍ لم يكن نهايةً بقدر ما كان تتويجاً. نجحت الإمارة في تفعيل منظومة تنقل متكاملة براً وبحراً، وجمعت العالم في ساحاتها؛ من البرتغال “ضيف الشرف” التي استعادت 50 عاماً من العلاقات وأوجه الشبه المعماري، إلى الصين التي حضرت بعمقها الآسيوي.

لقد غادرت قوافل الإبل والخيول ساحة التراث، وانتهت بطولة سقاية الماء، لكن الصدى الذي خلفته الدورة ظل يتردد في جنبات العالم العربي. فقد أجمع الزوار والمثقفون العرب، ومعهم الجمهور المحلي، على أن الشارقة نجحت بامتياز في أن تكون “حارسة الهوية”، وأن أيامها التراثية باتت موعداً سنوياً لا يُخلفه عشاق الأصالة.

هكذا، طوت الشارقة صفحة الدورة الـ23، لكنها تركت “وهجها” مشتعلاً في القلوب، مؤكدة أن التراث في هذه الأرض ليس ماضياً مضى، بل هو حياةٌ تُعاش، ومستقبلٌ يُرسم بمداد الأولين.

الحضور المغربي المتألق 

ولم تكتمل لوحة الفسيفساء التراثية في الشارقة إلا بنفحةٍ من أريج المملكة المغربية، التي سجلت حضوراً بهياً أثرى المشهد الثقافي عبر سلسلة من الورش التفاعلية والندوات الفكرية. في أروقة الجناح المغربي، لم تكن الحرف اليدوية مجرد معروضات صامتة، بل تحولت إلى روايات حية تنبض بعبق التاريخ؛ حيث التقت أصالة “الزرابي” المنسوجة بخيوط تحكي أساطير الجدات، مع عراقة “صناعة الجلود” التي توثق لمهارة الصانع التقليدي وشغفه بالكمال. وفي زاويةٍ تفيض بالجمال، تجلى “الخط المغربي” بأدواته العتيقة ومداده الأصيل، ليقدم قراءة شاعرية وبصرية لجماليات الحرف العربي في أبهى صوره. ولم يقتصر هذا الامتداد الثقافي على ما تراه العين، بل حلق بأرواح الحاضرين عبر فنون الأداء التراثية المتنوعة، حيث صدحت إيقاعات “فن گناوة” العريق، لتأخذ الجمهور في رحلة صوفية وموسيقية عميقة، تؤكد أن الموروث المغربي يمثل سيمفونية متكاملة تتناغم فيها مهارة اليد مع نبض الروح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى