من طنجة إلى الناظور.. رؤية ملكية تعزز القوة البحرية للمغرب وتجعل الاستثمار والتشغيل في خدمة المواطن

من ميناء طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، وصولاً إلى مشروع طنجة المتوسط 3، يواصل المغرب توسيع حضوره في التجارة البحرية العالمية. وذلك عبر أوراش استراتيجية تراهن على تعزيز التنافسية الاقتصادية، وتقوية الأمن الطاقي، وخلق آلاف فرص الشغل، في امتداد لرؤية ملكية تجعل من الموانئ رافعة للتنمية والسيادة الاقتصادية.
فلم تعد الموانئ الكبرى في المغرب مجرد بوابات لعبور البضائع، بل تحولت إلى ركائز لمشروع اقتصادي أوسع، يستهدف تعزيز موقع المملكة في سلاسل التجارة العالمية، واستقطاب الاستثمارات، وفتح آفاق تنموية جديدة أمام الجهات.
فمنذ إطلاق مشروع طنجة المتوسط سنة 2002، تتواصل هذه الدينامية مع اقتراب دخول الناظور غرب المتوسط مرحلة الاستغلال، بالتوازي مع التحضير لتعزيز قدرات المركب المينائي للبوغاز عبر مشروع طنجة المتوسط 3.
وتجسد جلسة العمل التي ترأسها جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أمس الأربعاء، بالقصر الملكي بالرباط، والمخصصة لمشروعي الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط 3، امتداد هذه الرؤية الاستراتيجية، التي لا تقتصر على توسيع البنيات التحتية والقدرات اللوجستية. بل تستهدف أيضاً تحويل هذه المشاريع إلى محركات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع ضمان استفادة الأقاليم المعنية وساكنتها من ثمارها.
من طنجة المتوسط إلى الناظور.. مسار استراتيجي متواصل
تعود بدايات هذا المسار إلى 29 غشت 2002، حين ترأس صاحب الجلالة، الملك محمد السادس، حفظه الله، جلسة عمل خُصصت لمشروع طنجة المتوسط. واضعاً بذلك أسس بنية مينائية كبرى تروم تعزيز اندماج المغرب في المبادلات التجارية الدولية.
وتواصلت هذه الدينامية في 26 أبريل 2007، مع التوجه نحو تطوير قدرات مينائية إضافية جنوب مضيق جبل طارق. قبل أن تمتد الرؤية إلى جهة الشرق في 2 يوليوز 2009، من خلال التعليمات الملكية المتعلقة بإنجاز ميناء الناظور غرب المتوسط، باعتباره مركباً مندمجاً يجمع بين الأنشطة المينائية والصناعية والطاقية.
وفي 28 يناير 2026، شكلت جلسة العمل التي ترأسها جلالته بالدار البيضاء محطة جديدة لتقييم تقدم هذا المشروع، الذي باتت محطته الأولى على أعتاب الاستغلال، بما يفتح مرحلة جديدة في تعزيز الجاذبية الاقتصادية لجهة الشرق.
54 مليار درهم للناظور.. ورهان على التجارة والأمن الطاقي
تعكس الأرقام حجم الرهان على هذا التحول؛ فقد بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة التي جرى تعبئتها لميناء الناظور غرب المتوسط نحو 54 مليار درهم، في مشروع يرتقب أن يمنح الجهة موقعاً متقدماً ضمن الشبكة اللوجستية والطاقية للمملكة.
ومن المنتظر أن توفر المحطة الأولى للحاويات قدرة استيعابية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية. على أن تدخل محطة ثانية، بطاقة تبلغ 1.8 مليون حاوية، حيز الخدمة في أبريل 2027.
ولا يقتصر دور المركب على معالجة الحاويات وتطوير المبادلات التجارية، بل يمتد إلى تعزيز الأمن الطاقي للمغرب، من خلال منشآت لتخزين المحروقات ومحطة للغاز الطبيعي المسال، يُرتقب أن تصل قدرتها على المعالجة إلى خمسة مليارات متر مكعب سنوياً.
وبذلك، يراهن المشروع على الجمع بين الوظيفة التجارية والبعد الطاقي، بما يعزز قدرة المملكة على تنويع بنياتها الاستراتيجية وتقوية موقعها في محيطها المتوسطي.
طنجة المتوسط 3.. خطوة جديدة نحو 20 مليون حاوية
بالتوازي مع صعود القطب المينائي الجديد بجهة الشرق، يستعد مركب طنجة المتوسط لتعزيز قدراته من خلال مشروع طنجة المتوسط 3، الذي تبلغ قيمة الاستثمار فيه ثمانية مليارات درهم. ومن المرتقب أن يضيف طاقة استيعابية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنوياً.
وعلى المدى البعيد، يُنتظر أن ترتفع القدرة الإجمالية لمركب طنجة المتوسط إلى 20 مليون حاوية. في خطوة تعزز طموح المغرب إلى الانضمام لقائمة أكبر عشرة موانئ في العالم، وترسخ موقعه ضمن أبرز المراكز اللوجستية المرتبطة بالتجارة الدولية.
ويعكس تكامل هذه المشاريع توجهاً نحو توزيع أدوار اقتصادية ولوجستية متكاملة بين أقطاب المملكة. بما يتيح توسيع قدرات معالجة البضائع، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وفتح المجال أمام أنشطة صناعية وطاقية جديدة.
من البنيات التحتية إلى فرص الشغل.. الرهان على الإنسان
رغم أهمية الاستثمارات والقدرات الاستيعابية المرتقبة، فإن الأثر الحقيقي لهذه المشاريع يظل مرتبطاً بقدرتها على إحداث تحول ملموس في حياة السكان، من خلال خلق فرص الشغل، وتطوير الكفاءات، وتحفيز الأنشطة الاقتصادية المحلية.
وفي هذا السياق، شدد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خلال جلسة العمل الأخيرة، على ضرورة أن تشمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع مختلف الأقاليم المعنية، وأن تنعكس إيجاباً على الساكنة المحلية.
كما دعا إلى تسريع تفعيل برامج تكوينية تستجيب لحاجيات الأنشطة الجديدة، بما يسهل الإدماج المهني للشباب، ويضمن توفير الكفاءات الضرورية لمواكبة توسع الأنشطة المينائية والصناعية والطاقية.
وتبرز توقعات التشغيل حجم الفرص المرتبطة بمشروع الناظور غرب المتوسط؛ إذ يرتقب إحداث 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر على المدى القريب، وفق المعطيات التي قدمها إدريس أعرابي، المدير العام لميناء طنجة المتوسط، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء.
وأكد المسؤول أهمية إرساء آليات للتكوين تتلاءم مع طبيعة الأنشطة الناشئة، بما يمكن الشباب من الاستفادة من فرص العمل الجديدة، ويتيح للمناطق المعنية تحقيق استفادة أوسع من الدينامية الاقتصادية التي سيطلقها المركب.
من جهته، أبرز محمد جمال بنجلون، المدير العام للناظور غرب المتوسط، أن المشروعين يندرجان ضمن الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز تموقع المغرب كقوة بحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
رؤية تتجاوز الموانئ نحو إعادة رسم الخريطة الاقتصادية
من طنجة المتوسط، الذي شكل نقطة انطلاق هذا التحول مطلع الألفية، إلى الناظور غرب المتوسط، مروراً بمشروع طنجة المتوسط 3، تتكرس ملامح استراتيجية بحرية متواصلة، تستهدف تعزيز اندماج المغرب في الاقتصاد العالمي وتوسيع قدراته اللوجستية والطاقية.
ولا تتوقف رهانات هذه الأوراش عند رفع عدد الحاويات أو استقطاب الاستثمارات، بل تمتد إلى دعم التنمية الترابية، وتوسيع فرص التشغيل، وتأهيل الموارد البشرية، وتعزيز قدرة المملكة على استثمار موقعها الجغرافي في خدمة اقتصادها.
وبذلك، تتجاوز المشاريع المينائية الكبرى منطق الإنجاز المتتابع للبنيات التحتية، لتشكل حلقات مترابطة ضمن رؤية ملكية طويلة الأمد، تجعل من الانفتاح البحري أداة لتعزيز التنافسية الاقتصادية وترسيخ السيادة الاستراتيجية. على أن يبقى معيار نجاحها الأبرز هو قدرتها على تحويل الاستثمارات إلى فرص ملموسة للتنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين.



