.stream-item-widget-content { display:none; }

دمشق: قيامة الحرف وعرس الياسمين المتجدد

الشاعر أحمد الحريشي ضيفا على معرض دمشق الدولي للكتاب

في قلب دمشق، حيث الزمان يخلع نعليه ليدخل محراب التاريخ، انطلقت فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الأخيرة، لتكون أكثر من مجرد تظاهرة ثقافية؛ إنها إعلان صريح عن استمرارية الحياة وقدرة السوريين على اجتراح الجمال من قلب التحديات. لم أكن هناك مجرد زائر، بل كنت شاعراً يسكنه الشوق، ومشاركاً مشتبكاً بوجدانه مع كل ندوة نقدية وجلسة إبداعية احتضنها هذا المحفل العريق.

الأمسية الشعرية: عِناق القوافي العربية

لعلّ الذروة الوجدانية لتواجدي تمثلت في تلك الأمسية الشعرية الفارقة، التي جمعتني بنخبة من المبدعين السوريين والأشقاء العرب. تحت سقف دمشق، تلاقت اللهجات والمدارس الشعرية، وانصهرت في بوصلة واحدة هي “جمالية الكلمة”.

حوارية الروح: كان للمنصة هيبة خاصة، حيث امتزجت القصيدة السورية المعتقة بالوجع والأمل، مع أصوات عربية جاءت تحمل في جعبتها نبض أوطانها.

الجمهور الدمشقي: لا يمكنني تجاوز تلك اللحظة التي التقت فيها عيني بجمهور دمشق المتذوق، الذي ينصت للقصيدة بقلبه قبل أذنه، مما جعل الأمسية حالة من “التجلي” الجماعي، حيث تحول الحرف إلى جسر عبور نحو المشترك الإنساني والجمالي.

حوارية النقد والإبداع: اشتباك معرفي

وبعيداً عن رنين القوافي، شاركتُ في فقرات نقدية كانت تضج بالأسئلة الوجودية حول دور المثقف في المرحلة الراهنة. هذا الاشتباك الإبداعي منح المعرض روحاً حية، حيث لم تكن الأجنحة مجرد رفوف للكتب، بل كانت مختبرات للأفكار، تناقش كيف يمكن للكلمة أن ترمم ما خربه الاغتراب، وكيف يستعيد النص سطوته في عصر الصورة.

الملحمة التنظيمية: سواعد “سفراء الضوء”

خلف هذا الحراك الثقافي، كان هناك إعجاز تنظيمي ولوجستيكي أدارته كوادر وزارة الثقافة باقتدار. لقد كان شباب الوزارة:

• نبراساً للرقي: في تعاملهم مع الضيوف والوفود، محولين العمل الإداري إلى حالة من الحفاوة السورية الأصيلة.

• رموزاً لسوريا الحرة: التي تثبت يوماً بعد يوم أنها تمتلك كفاءات بشرية قادرة على إدارة أضخم الفعاليات بمعايير تليق بعاصمة الأمويين.

دمشق.. قراءة في كتاب العمران والتاريخ

كانت فرصة التواجد في المعرض سانحةً لإعادة اكتشاف دمشق؛ تلك المدينة التي تزخر بمآثر حضارية تخطف الأنفاس. من الجامع الأموي الذي يختزل لغة السماء، إلى الأسواق القديمة التي تفوح برائحة التاريخ. إن العبقرية العمرانية في دمشق تذكرنا دائماً بأننا في بلدٍ لا يبني جدراناً، بل يبني حضارةً. وهذا الإرث هو الضمانة الحقيقية لنهوض ثقافي شامل يعيد لسوريا أمجادها.

“لقد غادرت دمشق وفي قلبي يقينٌ بأن القصيدة التي تُكتب هناك، والكتّاب الذين يُحتفى بهم في أروقتها، هم حراس الذاكرة وحملة مشاعل التنوير لغدٍ سوريّ وعربيّ أجمل.”

بقلم: [د.أحمد الحريشي]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى