.stream-item-widget-content { display:none; }

سعيد البقالي: “بينما ننشغل بتجنب الصدام والانفجار.. الخطر يكمن في الإفراغ”

بقلم سعيد البقالي:

“أعظم قوة إنتاجية هي الإنسان نفسه”، بهذه الفكرة البسيطة والعميقة التي بلورها كارل ماركس، يمكن اختصار التحدي الأكبر الذي يواجه المغرب اليوم.

فبينما ينشغل جزء مهم من النقاش العمومي بالمخاطر السياسية أو الاجتماعية الآنية، يتشكل في العمق خطر آخر أكثر هدوءاً وأكثر استدامة، يتمثل في الإفراغ التدريجي للوطن من طاقاته البشرية، ومن شبابه وكفاءاته وقواه الحية التي يفترض أن تشكل أساس التنمية والتقدم.

إن الخطر الحقيقي الذي يتهدد المغرب في العقود المقبلة ليس بالضرورة هو الصدام السياسي أو الانفجار الاجتماعي المباشر، رغم خطورة الاختلالات القائمة، بل هو خطر أعمق وأبطأ وأكثر تدميراً: خطر أن يتحول الحلم الجماعي لآلاف الشباب إلى مغادرة الوطن بدل المساهمة في بنائه.

فحين تصبح الهجرة أفقاً جماعياً لا مجرد خيار فردي، وحين تتجه الأنظار إلى الخارج بحثاً عن الكرامة والاستقرار وفرص التقدم، فإن الوطن لا يفقد فقط مواطنين، بل يفقد جزءاً من مستقبله.

لقد كتب ماركس أن “العمل هو أبو الثروة، والأرض هي أمها”، وإذا كانت الأرض تبقى حيث هي، فإن العمل والعلم والخبرة والكفاءة يمكن أن ترحل. وعندما يهاجر الأطباء والمهندسون والباحثون والتقنيون والمقاولون الشباب، فإن المغرب لا يخسر أفراداً فقط، بل يخسر جزءاً من الثروة التي كان يمكن أن تنتجها عقولهم وسواعدهم داخل الوطن.

إن الشباب المغربي لا يهاجر لأنه يكره وطنه، بل لأنه يبحث عن شروط حياة يراها أكثر عدلاً وإنصافاً. فالرغبة المتزايدة في الهجرة ليست تعبيراً عن ضعف الانتماء، وإنما هي في جانب كبير منها انعكاس لأوضاع اقتصادية واجتماعية قائمة.

وهنا تستحضرنا مقولة ماركس الشهيرة: “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”. فحين يواجه الشاب البطالة أو الهشاشة أو انسداد آفاق الترقي الاجتماعي، وحين يشعر المقاول الصغير بأن المنافسة غير متكافئة بسبب مواقع الاحتكار والريع، يصبح البحث عن فرصة في الخارج نتيجة طبيعية لشروط موضوعية لا لمواقف نفسية أو أخلاقية.

إن المجتمع الذي يسمح بتراكم الثروة في يد أقلية محدودة بينما تتسع دوائر الهشاشة والقلق الاجتماعي، هو مجتمع ينتج الهجرة كما ينتج الإحباط. والمشكلة ليست فقط في محدودية فرص الشغل، بل في الشعور المتزايد لدى قطاعات واسعة من الشباب بأن الجهد والكفاءة لا يكفيان دائماً لتحقيق النجاح، وأن بعض القطاعات الاقتصادية ما تزال خاضعة لمنطق الهيمنة والاحتكار أكثر مما هي خاضعة لقواعد المنافسة العادلة.

وإذا كانت هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية تدفع الشباب إلى التفكير في الرحيل، فإن المعطيات الديموغرافية الرسمية تكشف أن المغرب لم يعد يملك ترف خسارة جزء من موارده البشرية، فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة، بعد أن كان يتجاوز سبعة أطفال لكل امرأة خلال ستينيات القرن الماضي.

ولأول مرة في التاريخ الحديث للمغرب ينزل هذا المعدل تحت عتبة تعويض الأجيال المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة، وهو ما يعني أن الأجيال الجديدة أصبحت أقل عدداً من الأجيال التي ستغادر سوق الشغل خلال العقود المقبلة.

وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الأشخاص البالغين ستين سنة فما فوق إلى أكثر من خمسة ملايين شخص، أي ما يمثل حوالي 13.8 في المائة من مجموع السكان، بعدما كانت نسبتهم لا تتجاوز 9.4 في المائة قبل عشر سنوات فقط.

وتشير التوقعات الديموغرافية إلى أن عدد المسنين قد يقترب من عشرة ملايين شخص بحلول سنة 2050. إنها أرقام تؤكد أن المغرب دخل فعلياً مرحلة الشيخوخة الديموغرافية، وأن الهرم السكاني الذي كان يتميز تاريخياً بغلبة الشباب يتجه تدريجياً نحو الانقلاب.

إن هذه المعطيات تضع بلادنا أمام مفارقة خطيرة: فمن جهة يتراجع عدد الولادات، ومن جهة أخرى تتسارع شيخوخة المجتمع، ومن جهة ثالثة تستمر هجرة جزء مهم من الشباب والكفاءات نحو الخارج.

وبذلك يصبح المغرب مهدداً بفقدان جزء متزايد من ساكنته النشيطة المنتجة للثروة، في الوقت الذي ترتفع فيه أعداد المستفيدين من أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية والخدمات الصحية.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد قضية سكانية، بل بتحدٍ اقتصادي واستراتيجي يمس القدرة المستقبلية للبلاد على النمو والإنتاج وتمويل التضامن الاجتماعي بين الأجيال.

إن القضية هنا ليست قضية أرقام فقط، بل قضية مشروع مجتمعي. فبلد يشيخ سكانه وتهاجر نخبه وقواه المنتجة يجد نفسه أمام تحديات مركبة: ضعف الابتكار، نقص الكفاءات، هشاشة أنظمة التقاعد، تزايد الضغط على الخدمات الصحية والاجتماعية، وتراجع القدرة على خلق الثروة. إنها عملية استنزاف بطيئة قد لا تثير الانتباه في المدى القصير، لكنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية على المدى البعيد.

ولذلك فإن مواجهة هذا النزيف لا يمكن أن تتم عبر الخطابات العاطفية أو الدعوات الأخلاقية إلى التشبث بالوطن. فحب الوطن لا يقاس بقدرة المواطن على تحمل المعاناة إلى ما لا نهاية، بل بقدرة الوطن على توفير شروط العيش الكريم لأبنائه. الوطنية ليست بديلاً عن العدالة الاجتماعية، بل لا يمكن أن تترسخ إلا في ظلها.

إن ما يحتاجه المغرب اليوم هو إعادة الاعتبار للإنسان باعتباره الثروة الوطنية الأولى. يحتاج إلى اقتصاد منتج يخلق فرص الشغل اللائق، وإلى محاربة الاحتكار والريع، وإلى عدالة جبائية تساهم في إعادة توزيع الثروة، وإلى مدرسة عمومية ومستشفى عمومي قادرين على تقليص الفوارق الاجتماعية، وإلى سياسات عمومية تجعل الكفاءة والعمل والمعرفة أساس الترقي الاجتماعي.

لقد كتب أنطونيو غرامشي أن “الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد”. ولعل المغرب يعيش جانباً من هذه اللحظة التاريخية؛ إذ تبدو حدود نموذج اقتصادي واجتماعي قائم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فيما لم تتبلور بعد البدائل القادرة على استعادة ثقة الشباب في المستقبل.

إن المعركة الحقيقية التي تواجه المغرب ليست فقط معركة النمو الاقتصادي، بل معركة العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وليست فقط معركة جذب الاستثمارات، بل معركة الحفاظ على الإنسان المغربي نفسه. فالوطن الذي يخسر أبناءه وبناته لا يخسر مجرد أرقام في الإحصاءات السكانية، بل يخسر جزءاً من قدرته على الحلم والإبداع والإنتاج.

إن بلداً يفقد جزءاً من شبابه عبر الهجرة، بينما ينخفض فيه معدل الخصوبة إلى أقل من عتبة تعويض الأجيال وتتسارع فيه الشيخوخة السكانية، لا يواجه فقط أزمة اجتماعية أو اقتصادية، بل يواجه تحدياً حضارياً يتعلق بقدرته على تجديد نفسه واستمرار مشروعه الوطني.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهنا جميعاً ليس: كيف نمنع الشباب من الهجرة؟ بل كيف نجعل البقاء في المغرب خياراً ممكناً وكريماً وجذاباً؟ لأن أعظم قوة إنتاجية، كما قال ماركس، هي الإنسان نفسه، ولأن الوطن الذي يعجز عن الاحتفاظ بقواه الحية إنما يفرط في أهم ثروة يمتلكها: شعبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى