“دعه يفسد دعه يمر”.. حين يتحول الغلاء والاحتكار بالمغرب إلى تهديد للثقة الاجتماعية

في مقال يحمل الكثير من النقد للواقع الاقتصادي والاجتماعي، يطرح الأستاذ دحمان المزرياحي، قراءة حادة لمفارقة العلاقة بين حرية السوق وغياب الرقابة، معتبرا أن المغرب يعيش اليوم على وقع انتقال مقلق من مقولة آدم سميث “دعه يعمل دعه يمر” التي بشر بها دفاعا عن حرية السوق وتقليص تدخل الدولة، إلى واقع أقرب إلى “دعه يفسد دعه يمر”.
ويرى كاتب المقال أن الفارق كبير بين حرية اقتصادية تساهم في خلق الثروة وتحريك الاستثمار، وبين انسحاب الدولة من أدوارها الرقابية والاجتماعية، بما يفتح المجال أمام الاحتكار والمضاربة واتساع اقتصاد الريع، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، وسط موجة غلاء متواصلة مست مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
ويؤكد الأستاذ المزرياحي، أن الأسواق أصبحت تعيش حالة من الانفلات، حيث ترتفع أسعار الخضر والفواكه واللحوم بشكل يرهق الأسر المغربية، بينما تتراجع الثقة في قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن الاجتماعي وحماية الفئات المتضررة.
فحتى المواد الأساسية التي كانت تشكل جزءا عاديا من المعيش اليومي، تحولت إلى مصدر قلق دائم بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين.
كما يشير الكاتب إلى أن المناسبات الدينية التي ارتبطت تاريخيا بقيم الفرح والتكافل، أصبحت بدورها تثير مشاعر العجز والضغط الاجتماعي، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الأضاحي والمواد الاستهلاكية المرتبطة بها، وهو ما جعل الكثير من الأسر تواجه الأعياد بقلق غير مسبوق بسبب تآكل القدرة الشرائية وغلاء المعيشة.
ومن هنا، يعتبر الأستاذ دحمان المزرياحي أن صرف الأجور قبل موعدها لم يعد مجرد إجراء إداري عابر، بل أصبح مؤشرا واضحا على حجم الاختناق الاجتماعي الذي تعيشه فئات واسعة من المجتمع، في ظل تزايد المصاريف وتراجع التوازن بين الدخل ومتطلبات الحياة اليومية.
ويتوقف المقال أيضا عند محدودية أثر بعض المشاريع الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها مخطط “المغرب الأخضر”، متسائلا عن الجهات التي استفادت فعليا من هذه السياسات، في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية رغم الإمكانات الفلاحية الكبيرة التي يتوفر عليها المغرب.
ويرى كاتب المقال أن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطا فقط بالإنتاج أو ضعف المحاصيل، بل ببنية اقتصادية معقدة تتحكم فيها شبكات الوساطة والسماسرة والمضاربين، حيث يغادر المنتوج يد الفلاح بأثمان بسيطة، قبل أن يصل إلى المستهلك بأسعار مضاعفة، وكأن القيمة لم تعد تصنعها الأرض أو العمل، بل تصنعها المضاربة والاحتكار.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يرى الكاتب أن المواطن المغربي لم يعد يقتنع بالشعارات والوعود، بل ينتظر إجراءات ملموسة تعيد الثقة في المؤسسات، عبر مراقبة فعلية للأسعار، ومحاربة الفساد والاحتكار، وضبط سلاسل التوزيع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويستحضر المقال كذلك تحذيرات مفكرين كبار من خطورة هذا المسار، على رأسهم ابن خلدون الذي اعتبر أن الظلم واحتكار الثروة من أبرز أسباب انهيار العمران وسقوط الدول، بينما رأى بول باسكون أن تداخل المال بالسلطة ينتج اقتصادا غير منتج تحكمه الامتيازات والمحسوبية أكثر مما تحكمه الكفاءة والاستحقاق.
ويخلص الأستاذ دحمان المزرياحي، إلى أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى، بل أيضا بقدرتها على صون الكرامة اليومية للمواطنين وحماية التوازن الاجتماعي، مؤكدا أن الشعوب قد تتحمل الأزمات، لكنها لا تقبل طويلا أن يتحول الفساد إلى واقع دائم يُدار بمنطق: “دعه يفسد… دعه يمر”.



