.stream-item-widget-content { display:none; }

فاطمة الزهراء المنصوري.. قصة نجاح تجسد حضور المرأة المغربية في مواقع القرار

ميدنيوز

في بلد ظل فيه العمل السياسي لعقود طويلة مجالاً تهيمن عليه الأسماء الرجالية، استطاعت فاطمة الزهراء المنصوري أن تشق طريقها بثبات نحو مواقع القرار، ليس باعتبارها امرأة تبحث عن مكان ضمن معادلة التمثيلية النسائية فقط، بل باعتبارها شخصية راكمت تجربة علمية ومهنية وسياسية متكاملة جعلت حضورها يفرض نفسه في المشهد العام المغربي.

وعلى امتداد أكثر من عقدين، نجحت المنصوري في بناء مسار متدرج جمع بين التكوين القانوني المتخصص والخبرة المهنية في مجال المحاماة والتدبير المحلي والعمل البرلماني والمسؤولية الحكومية، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية المتميزة بالمغرب.

النشأة والتكوين العلمي..

وُلدت فاطمة الزهراء المنصوري بمدينة مراكش سنة 1976، ونشأت في بيئة أولت أهمية خاصة للتعليم والانفتاح على قضايا المجتمع والشأن العام. تابعت دراستها بمؤسسات التعليم الفرنسي بمراكش قبل أن تتجه نحو دراسة القانون، حيث حصلت على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1998.

ولم يتوقف مسارها الأكاديمي عند هذا الحد، إذ واصلت تكوينها العالي بفرنسا، حيث نالت دبلوم قانون الأعمال من جامعة مونبلييه، كما استفادت من تكوين متخصص في المجال القانوني بالولايات المتحدة الأمريكية، ما أتاح لها الاطلاع على مدارس قانونية مختلفة وأسهم في توسيع آفاقها المهنية والفكرية.

وقد شكل هذا الرصيد العلمي قاعدة متينة لمسارها المهني اللاحق، خاصة في مجالات المعاملات التجارية والعقارية والاستثمارية.

من المحاماة إلى الانخراط في الشأن العام..

بدأت المنصوري حياتها المهنية كمحامية متخصصة في القانون التجاري والعقاري، حيث راكمت خبرة مهمة في تدبير الملفات القانونية المرتبطة بالاستثمار والمقاولة والعقار، وهو ما أكسبها معرفة دقيقة بالإكراهات التي تواجه الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين.

غير أن اهتمامها بالشأن العام ورغبتها في المساهمة في تدبير القضايا التنموية دفعاها إلى الانخراط في العمل السياسي من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أصبحت لاحقاً من أبرز قياداته، وتشغل حالياً مهمة المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب.

مراكش.. محطة صناعة الزعامة المحلية

شكلت سنة 2009 نقطة تحول بارزة في مسار المنصوري، بعدما انتُخبت عمدة لمدينة مراكش، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المدينة الحمراء، وثاني امرأة تترأس مجلس مدينة كبرى بالمغرب.

وخلال فترة رئاستها للمجلس الجماعي، سعت إلى ترسيخ مقاربة جديدة في تدبير الشأن المحلي تقوم على القرب من المواطنين والانفتاح على مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

كما أولت اهتماماً خاصاً لملفات البنية التحتية والخدمات الأساسية وتحسين جاذبية المدينة وتعزيز مؤهلاتها السياحية والاقتصادية، وسعت إلى تطوير آليات التواصل مع الساكنة بما يعزز المشاركة في تدبير الشأن المحلي.

وقد ساهمت هذه التجربة في ترسيخ صورتها كإحدى أبرز القيادات النسائية في مجال الجماعات الترابية، ومهدت أمامها الطريق نحو مسؤوليات وطنية أوسع.

من التدبير المحلي إلى المسؤوليات الوطنية..

لم تتوقف تجربة المنصوري عند حدود تدبير الشأن المحلي، بل شكل النجاح الذي حققته على رأس مدينة مراكش نقطة عبور نحو مسؤوليات وطنية أكبر داخل المؤسسات المنتخبة.

فقد انتُخبت عضواً بمجلس النواب، حيث مارست مهامها البرلمانية بين سنتي 2011 و2021، قبل أن تعود مجدداً إلى رئاسة مجلس مدينة مراكش عقب الانتخابات الجماعية لسنة 2021، في مؤشر على استمرار الثقة التي حظيت بها لدى الناخبين.

وفي السنة نفسها، حظيت بثقة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لتولي حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ضمن حكومة عزيز أخنوش، وهو قطاع استراتيجي يرتبط ارتباطاً مباشراً بقضايا التنمية المجالية والتخطيط العمراني والسكن.

إنجازات في قطاع التعمير والإسكان..

منذ توليها المسؤولية الحكومية كوزيرة، جعلت المنصوري من إصلاح قطاع السكن والتعمير أحد أبرز محاور عملها، من خلال إطلاق مجموعة من البرامج والمبادرات الرامية إلى معالجة الاختلالات المجالية وتقليص الفوارق بين المناطق وتعزيز العدالة الترابية.

ومن أبرز الأوراش التي ارتبط اسمها بفاطمة الزهراء المنصوري برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي استهدف تسهيل ولوج الأسر المغربية إلى التملك السكني وفق مقاربة جديدة تقوم على الدعم المباشر للمستفيدين.

كما عملت على الدفع نحو تحديث السياسات المرتبطة بالتخطيط العمراني وإعداد التراب الوطني، وتنظيم مناظرات وطنية متخصصة لمناقشة مستقبل قطاع الإسكان والتعمير، إلى جانب تعزيز التعاون الإفريقي والدولي في مجالات التنمية الحضرية وتبادل الخبرات والتجارب.

إشعاع يتجاوز الحدود الوطنية..

لم يقتصر حضور فاطمة الزهراء المنصوري على الساحة الوطنية فقط، بل امتد إلى عدد من المحافل الدولية المرتبطة بالحكامة المحلية والتنمية الحضرية وتمكين المرأة.

وقد حظيت باهتمام مؤسسات ومنابر دولية، حيث أدرجتها مجلة “فوربس” سنة 2014 ضمن قائمة النساء الأكثر تأثيراً في إفريقيا، كما شاركت في العديد من اللقاءات والمنتديات الدولية التي تناولت قضايا التنمية المحلية وإدارة المدن وتعزيز أدوار النساء في مواقع القرار.

وساهم هذا الحضور في إبراز صورة المرأة المغربية باعتبارها فاعلاً أساسياً في مسارات التنمية وصناعة القرار على المستويين الوطني والدولي.

نموذج للنجاح القائم على الكفاءة والتدرج..

في زمن أصبحت فيه قضايا تمكين المرأة تحظى باهتمام متزايد، يبرز مسار فاطمة الزهراء المنصوري بوصفه تجربة قامت أساساً على التكوين الأكاديمي والخبرة المهنية والتدرج في تحمل المسؤوليات.

فقد جمعت بين الدراسة القانونية المتخصصة والممارسة المهنية في المحاماة، قبل أن تنتقل إلى تدبير الشأن المحلي والعمل البرلماني والمسؤولية الحكومية، ما منح تجربتها بعداً متكاملاً يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة الميدانية.

كما ساهم حضورها في تشجيع مشاركة النساء في الحياة السياسية والإدارية، وأصبح اسمها مرتبطاً بصعود جيل جديد من القيادات النسائية المغربية القادرة على الجمع بين الكفاءة العلمية والخبرة العملية والقدرة على تدبير الملفات الكبرى.

مسار مستمر نحو مزيد من التأثير..

إلى اليوم، لا تزال فاطمة الزهراء المنصوري تجسد نموذجاً لمسار مهني وسياسي بُني على التكوين والخبرة والعمل المتواصل.

فبين قاعات المحاكم ومجالس التدبير المحلي وقبة البرلمان ودوائر المسؤولية الحكومية، استطاعت المنصوري أن ترسم لنفسها مساراً جعلها من أبرز الشخصيات النسائية في المغرب المعاصر، ومن الأسماء التي ارتبطت بقضايا التنمية الحضرية والإسكان وإعداد التراب الوطني، فضلاً عن كونها نموذجاً لنجاح المرأة المغربية في الوصول إلى مواقع القرار عبر الكفاءة والاجتهاد والتدرج في تحمل المسؤوليات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى