بعد أن كانت خزانا مطريا للمغرب.. دراسة تحذر من فترات جفاف وحر طويلة تهدد جهة طنجة تطوان الحسيمة

حذرت دراسة علمية حديثة، من أن جهة طنجة تطوان الحسيمة قد تشهد خلال العقود المقبلة تصاعداً ملحوظاً في فترات الجفاف وامتداداً أكبر لموجات الحر، في تحول مناخي قد يفاقم الضغوط على الموارد المائية والقطاع الفلاحي بإحدى أكثر جهات المغرب غنى بالأمطار وتنوعاً من حيث التضاريس والمناخ.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في مجلة “فرونتيرز إن كلايمت” تحت عنوان “اختيار نماذج مناخية ممثلة لدراسات أثر تغير المناخ: حالة جهة طنجة تطوان الحسيمة بالمغرب”، أن الإسقاطات المناخية إلى غاية نهاية القرن الحالي تشير إلى اتجاه واضح نحو تزايد الفترات الجافة وارتفاع مدة موجات الحر، خاصة خلال فصل الصيف وبالمناطق الداخلية والساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
واعتمد الباحثون في إعداد الدراسة على منهجية علمية دقيقة، لم تقتصر على تقديم توقعات عامة بشأن مناخ شمال المغرب، بل استندت إلى مقارنة بين نماذج مناخية عالمية وإقليمية، من بينها CMIP6 وCORDEX، مع الاستعانة بقاعدة البيانات المرجعية ERA5-Land، بهدف اختيار النماذج الأكثر قدرة على محاكاة المناخ التاريخي للجهة واستشراف تطوراته المستقبلية.
وتكتسب نتائج الدراسة أهمية خاصة، إذ انتقى الباحثون النماذج التي أثبتت أعلى دقة في تمثيل درجات الحرارة والتساقطات خلال الفترة المرجعية الممتدة بين 1980 و2005، قبل إسقاطها على سيناريوهات الفترة ما بين 2080 و2100، ما يمنح التوقعات قدراً أكبر من الموثوقية.
وتصنف الدراسة جهة طنجة تطوان الحسيمة ضمن المناطق المتوسطية الأكثر هشاشة أمام تداعيات التغير المناخي، مؤكدة أن تسارع الاحترار العالمي يحول الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى عاملين رئيسيين يعيدان تشكيل العلاقة بين الإنسان والموارد المائية والأرض والإنتاج الفلاحي.
دعوة إلى التخطيط الاستباقي
ترى الدراسة أن هذه المؤشرات ينبغي أن تتحول إلى أدوات عملية للتخطيط، لا أن تبقى مجرد توقعات بعيدة المدى، داعية إلى تعزيز سياسات التكيف مع الجفاف والحرارة عبر تحديث أنظمة الري، ورفع كفاءة استعمال المياه، وتقوية منظومات الإنذار المبكر، وإعداد خرائط فلاحية تراعي التحولات المناخية المرتقبة.
كما تؤكد على ضرورة دعم صغار الفلاحين بالمعطيات المناخية والوسائل التقنية والمالية، حتى لا يظل التكيف مع التغيرات المناخية حكراً على المستثمرين الكبار أو المناطق الأكثر تجهيزاً، باعتبار أن الفلاحين المعتمدين على الأمطار سيكونون الأكثر عرضة لتداعيات توالي سنوات الجفاف واشتداد موجات الحر.
وتوصي الدراسة أيضاً بربط الإسقاطات المناخية بالنماذج الهيدرولوجية والزراعية، بما يسمح بتقييم أكثر دقة لتأثير التغيرات المناخية على الموارد المائية والإنتاج الفلاحي. فالتحدي، بحسب الباحثين، لا يكمن فقط في معرفة أن الجفاف والحرارة سيتفاقمان، بل في تحديد أماكن حدوثهما وتوقيتهما وشدتهما، وانعكاس ذلك على السدود والفرشات المائية والمحاصيل والقرارات الاستثمارية.
وتأتي هذه النتائج في وقت بات فيه الأمن المائي أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه المغرب، في ظل تراجع التساقطات المطرية، وتوالي سنوات الجفاف، وتزايد الطلب على المياه لأغراض الشرب والفلاحة والصناعة.
وتبرز خصوصية الدراسة في انتقالها من القراءة الوطنية العامة إلى تحليل جهوي دقيق، يربط مستقبل جهة طنجة تطوان الحسيمة بمؤشرات كمية قابلة للإدماج في سياسات التخطيط الترابي والفلاحي والمائي.
ورغم أن الدراسة لا تتحدث عن انهيار مناخي وشيك، فإنها ترسم ملامح مرحلة قد تصبح فيها سنوات الجفاف الطويلة وارتفاع درجات الحرارة واقعاً متكرراً، مؤكدة أن الجهة التي ظلت تُعرف لعقود بأنها الخزان المطري لشمال المغرب لن تكون بمنأى عن تداعيات التغير المناخي، ما لم تتحول المعطيات العلمية إلى قرارات استباقية لحماية الموارد المائية والقطاع الفلاحي والأنظمة البيئية.



