من التشغيل إلى دعم الأسر.. مشروع قانون المالية 2027 يراهن على الدولة الاجتماعية بـ34 ألف منصب مالي

يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 التوظيف العمومي والإنفاق الاجتماعي والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 في صلب رهانات الميزانية المقبلة، من خلال إحداث 33 ألفاً و954 منصباً مالياً، وتخصيص مئات المليارات من الدراهم للنفقات العمومية. إلى جانب إقرار تدابير ضريبية وجمركية تستهدف قطاعات محددة، وتمنح الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والهيئات المرتبطة به امتيازات ضريبية خلال فترة الاستعداد للتظاهرات الكروية الدولية.
وتكشف مقتضيات المشروع، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 20 أكتوبر الجاري، والذي انطلق عرضه ومناقشته برلمانياً اليوم الجمعة 23 أكتوبر، عن توجه يجمع بين مواصلة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، وتحفيز التشغيل والاستثمار، وتعزيز مراقبة المحروقات، وتسريع مشاريع التنمية الترابية، مع الحفاظ على التوازنات المالية.
وتظل هذه التدابير، في هذه المرحلة، مقتضيات مقترحة تخضع للمناقشة والمسار التشريعي قبل اعتماد الصيغة النهائية لقانون المالية.
33 ألفاً و954 منصباً مالياً.. الداخلية والدفاع والصحة في الصدارة
تتصدر المناصب المالية المبرمجة برسم سنة 2027 أبرز الأرقام الواردة في المشروع، بعدما حُدد عددها الإجمالي في 33 ألفاً و954 منصباً لفائدة الوزارات والمؤسسات المعنية، مع تركيز الحصة الأكبر في قطاعات الداخلية والدفاع والصحة.
وحسب توزيع المناصب الوارد في المشروع، تأتي وزارة الداخلية في المرتبة الأولى بـ14 ألفاً و200 منصب، تليها إدارة الدفاع الوطني بـ5 آلاف و500 منصب، ثم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بـ5 آلاف و400 منصب.
كما خُصصت 2460 منصباً لوزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، و1920 منصباً لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، و1500 منصب للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.
وشمل التوزيع أيضاً 400 منصب لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، و364 منصباً لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، و340 منصباً للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلى جانب 300 منصب لوزارة العدل.
ويضع هذا التوزيع قطاعات الأمن والدفاع والصحة في مقدمة المستفيدين من المناصب الجديدة، فيما تتوزع باقي المناصب على قطاعات إدارية وتعليمية ومالية وقضائية. غير أن إحداث هذه المناصب في المشروع لا يعني بالضرورة فتح مباريات التوظيف الخاصة بها فوراً، إذ يرتبط ذلك بالإجراءات والبرامج التي ستعلنها القطاعات المعنية.
433 مليار درهم للنفقات العادية.. وكتلة الأجور تستحوذ على الحصة الأكبر
على مستوى الإنفاق العمومي، يحدد المشروع النفقات العادية للميزانية العامة في حوالي 433.08 مليار درهم، منها نحو 195.67 مليار درهم مخصصة لنفقات الموظفين.
وتعكس هذه الأرقام الوزن الذي تمثله الأجور داخل الميزانية العامة، في ظل استمرار الدولة في تمويل خدماتها الإدارية والاجتماعية وتغطية حاجيات القطاعات العمومية من الموارد البشرية.
وتبرز أهمية هذه الاعتمادات أيضاً في سياق التوفيق بين تمويل الالتزامات الاجتماعية، وتوسيع الخدمات العمومية، والحفاظ على التوازنات المالية، وهي معادلة تشكل أحد أبرز رهانات مشروع مالية السنة المقبلة.
القدرة الشرائية والدعم الاجتماعي في صلب التوجهات
إلى جانب التوظيف والإنفاق العمومي، يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 استعادة القدرة الشرائية للأسر وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية ضمن أولوياته، من خلال مواصلة تعميم التغطية الصحية، والعمل على استدامة أنظمتها، ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، فضلاً عن تأهيل قطاعي الصحة والتعليم وتعزيز الولوج إلى السكن اللائق عبر برنامج الدعم المباشر للسكن.
وتسعى الحكومة أيضاً إلى معالجة الإشكالات المرتبطة بانتقال المستفيدين من الدعم الاجتماعي إلى سوق الشغل المهيكل.
وفي هذا الإطار، تتضمن التوجهات المقترحة آلية لمنح مساعدة استثنائية تُصرف مرة واحدة للأسر التي تفقد أهليتها للاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر بعد التصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص.
كما تقترح تمكين المستفيدين الذين يفقدون عملهم لأسباب خارجة عن إرادتهم من العودة إلى نظام الدعم، إلى جانب تعزيز مواكبتهم عبر حوافز للبحث عن العمل ومنح للمساعدة على حضانة الأطفال.
وتندرج هذه التدابير ضمن محاولة تحقيق التوازن بين حماية الأسر الهشة وتشجيع الانتقال إلى العمل النظامي، مع الحد من المخاوف المرتبطة بفقدان الدعم عند الاندماج في سوق الشغل.
الصحة والتعليم.. مشاريع استشفائية وتوسيع المدارس الرائدة
يحافظ قطاعا الصحة والتعليم على مكانتهما ضمن التوجهات الاجتماعية لمشروع مالية 2027، من خلال مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية وتطوير الخدمات العمومية.
ففي القطاع الصحي، تشمل المشاريع المبرمجة مواصلة بناء المراكز الاستشفائية الجامعية ببني ملال وكلميم والرشيدية، وإعادة بناء مركز استشفائي جامعي جديد بالدار البيضاء، إلى جانب إطلاق إعادة بناء المركز الاستشفائي الجهوي بأكادير، واستمرار برنامج تأهيل وتجديد 90 مستشفى.
وتشمل التوجهات كذلك مواصلة رقمنة المنظومة الصحية، وتطوير النظام المعلوماتي الاستشفائي المندمج، والعمل على إحداث وكالة وطنية لرقمنة النظام الصحي، مع استهداف بلوغ 45 مهنياً صحياً لكل 10 آلاف نسمة بحلول سنة 2030.
أما في قطاع التعليم، فيرتقب أن يصل عدد المؤسسات الابتدائية المنخرطة في نموذج «المدارس الرائدة» إلى 6562 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2026-2027، بما يعادل 80 في المائة من المدارس الابتدائية العمومية، تمهيداً لتعميم النموذج في الموسم الدراسي 2027-2028.
وعلى مستوى التعليم الإعدادي، يستهدف البرنامج بلوغ 1363 مؤسسة رائدة، أي ما يعادل 56 في المائة من الإعداديات العمومية، في إطار مواصلة توسيع التجربة.
وتضع هذه المشاريع تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية أمام اختبار التنفيذ الفعلي، ومدى انعكاس الاعتمادات والاستثمارات المبرمجة على ظروف استقبال المرضى والتلاميذ والولوج إلى الخدمات الأساسية.
25 مليار درهم للتنمية الترابية.. وبرنامج وطني جديد للشباب
تحتل التنمية الترابية المندمجة وإدماج الشباب مكانة بارزة ضمن التوجهات العامة للمشروع، إذ يرتقب تخصيص غلاف مالي يقدر بـ25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة.
ويستهدف هذا التوجه تسريع تنفيذ المشاريع التنموية، وإعادة تنظيم اختصاصات الجهات وفق منطق الوضوح والنجاعة، وتعزيز التنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، فضلاً عن استكمال تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري.
وفي ما يتعلق بالشباب، يتضمن المشروع إطلاق برنامج وطني مندمج للفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، يهدف إلى تعزيز التكوين والمواكبة المهنية، وتسهيل الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق.
كما يقوم التوجه الجديد على الانتقال من تعدد البرامج القطاعية إلى سياسة أكثر تكاملاً، تواكب مسار الشباب من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن رهان أوسع على ربط التنمية المحلية بخلق فرص العمل وتحسين ظروف العيش، مع تعزيز الاستثمار الخاص ودعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.
مراقبة المحروقات ومحاربة الغش والتهريب
على المستوى الجمركي، تتجه التوجهات المالية لسنة 2027 إلى تعزيز مراقبة المنتجات البترولية والتصدي للممارسات الاحتيالية والتهريب، فضلاً عن ضمان جودة المحروقات.
وتشمل الإجراءات المقترحة تحسين تتبع المنتجات البترولية، خصوصاً تلك المخصصة للقطاعات المستفيدة من الإعفاءات، لمنع تحويل وجهتها إلى استعمالات أخرى غير مشمولة بالامتيازات الجبائية.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع تعميم الوسم الجبائي للمنتجات البترولية، بما يتيح تتبعها بشكل أفضل وتأمين الموارد الجبائية، بعد تأجيلات سابقة مرتبطة بصعوبات تقنية في تنزيل هذا النظام.
كما تتجه الحكومة إلى الاستعانة بأدوات رقمية أكثر تطوراً، من بينها الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن أنماط الغش، والأختام الإلكترونية وأجهزة التتبع في الوقت الفعلي، إلى جانب تحديث آليات مكافحة التهريب.
وتشمل التوجهات أيضاً تطوير جباية مرتبطة بالطاقات الأحفورية، من خلال تكييف الإطار التشريعي والتنظيمي للضرائب الداخلية على الاستهلاك المطبقة عليها، مع مراعاة التوازنات المالية والرهانات البيئية.
«فيفا» والمونديال.. إعفاءات ضريبية وجمركية تمتد إلى 2032
من أبرز المقتضيات الجبائية الواردة في المشروع إقرار نظام تفضيلي لفائدة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والهيئات المرتبطة به، في إطار الوفاء بالضمانات التي قدمها المغرب ضمن ملف تنظيم كأس العالم 2030.
وينص المشروع على إعفاء السلع والمعدات والبضائع المستوردة من طرف الهيئات المعنية أو لحسابها من رسوم الاستيراد وبعض الضرائب والرسوم الأخرى، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2027 إلى 31 دجنبر 2032، وفق الشروط المحددة في النص.
كما تشمل التسهيلات الجهات المكلفة بالبث ومقدمي الخدمات والمتعاقدين مع «فيفا»، بمن فيهم الشركاء التجاريون، خلال الفترة الممتدة من بداية سنة 2027 إلى نهاية سنة 2031، وفق المقتضيات المقترحة.
وتتجاوز التدابير الرسوم الجمركية لتشمل، بحسب التوجهات الجبائية، الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة ورسوم التسجيل. إلى جانب إرساء مساطر إدارية مبسطة لمعالجة الملفات والتصريحات والطلبات الضريبية للهيئات المعنية.
ويسمح المشروع أيضاً بإعادة تصدير المعدات والبضائع المستفيدة من الإعفاءات، أو تفويتها داخل المغرب لفائدة هيئات رياضية أو مؤسسات خيرية أو هيئات مرتبطة بالتنمية الاجتماعية، وفق الشروط المحددة، دون أداء الرسوم والضرائب المعنية.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن التزامات المغرب المرتبطة باستضافة التظاهرة الكروية العالمية، غير أنها تطرح في المقابل أهمية تتبع نطاق الإعفاءات ومدتها والجهات المستفيدة منها، بما يتيح تقييم أثرها على الموارد الجبائية والاقتصاد الوطني.
تخفيض رسوم استيراد أغذية الأسماك
يتضمن المشروع أيضاً تخفيض رسم الاستيراد المفروض على أغذية الأسماك المخصصة لتربية الأحياء المائية إلى 2.5 في المائة، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2027 إلى نهاية دجنبر 2029، في حدود حصة سنوية تبلغ 15 ألف طن.
ويستهدف هذا الإجراء تخفيف العبء المرتبط باستيراد مدخلات تربية الأحياء المائية، في إطار التدابير الجمركية المقترحة للسنة المقبلة.
غير أن الأثر المحتمل لهذا التخفيض على تكاليف الإنتاج أو أسعار المنتجات النهائية يظل مرتبطاً بكيفية انتقال أثره عبر سلسلة الإنتاج والتوزيع، ولا يتضمن الإجراء في حد ذاته ضماناً بانخفاض الأسعار بالنسبة إلى المستهلك النهائي.
الاستثمار الخاص والحفاظ على التوازنات المالية
في الجانب الاقتصادي، يركز المشروع على تعزيز الاستثمار الخاص ومواصلة تفعيل آليات الدعم المنصوص عليها في ميثاق الاستثمار، إلى جانب إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وإيلاء اهتمام خاص للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.
كما تشمل التوجهات الاستراتيجية تعزيز الأمن المائي، وتسريع تطوير الطاقات المتجددة، ومواصلة تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، والتفعيل التدريجي لخارطة طريق البنية التحتية للغاز، فضلاً عن دعم الأمن الغذائي والسيادة الرقمية.
في المقابل، يظل الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية أحد المحددات الأساسية للميزانية المقبلة، في ظل الحاجة إلى تمويل الأوراش الاجتماعية والاستثمارات الكبرى، دون إغفال ضبط النفقات وتأمين الموارد العمومية.
تجدر الإشارة إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027، يظل بما يتضمنه من تدابير اجتماعية واقتصادية وجبائية، قابلاً للتعديل خلال مراحل المناقشة والتصويت داخل البرلمان، قبل المصادقة النهائية عليه واستكمال الإجراءات القانونية لإصداره ونشره في الجريدة الرسمية.
وبالتالي، فإن الأرقام والتدابير الواردة فيه، سواء المتعلقة بإحداث المناصب المالية أو دعم الأسر أو الإعفاءات الضريبية، تظل مقترحات قابلة للمراجعة، ولا يمكن اعتبارها قرارات نهائية أو مقتضيات نافذة إلا بعد استكمال المسطرة التشريعية ودخول القانون حيز التنفيذ.



