“حصار سراييفو”.. أثرياء أوروبيون يدفعون أموالا طائلة مقابل الاستمتاع بإطلاق النار على مدنيين أغلبيتهم مسلمة وإيطاليا تفتح تحقيقا

بعد نحو 29 عاماً من نهاية حصار سراييفو، أطول حصار في الحروب الحديثة، أعلنت النيابة العامة في ميلانو، إيطاليا، فتح تحقيق مثير حول ما يُعرف بـ”سياحة القنص”، وهي مزاعم تفيد بأن أوروبيين أثرياء دفعوا مبالغ طائلة لأفراد من الجيش الصربي البوسني مقابل إطلاق النار على المدنيين في مدينة سراييفو بين 1992 و1996.

القصة ظهرت لأول مرة في فيلم وثائقي من إنتاج 2022 بعنوان “سفاري سراييفو” للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش، حيث كشف الفيلم شهادات صادمة لجنود صرب زعموا أن مجموعة من الأجانب من الدول الغربية اشترت مواقع للقناصة لإطلاق النار على المدنيين، بما في ذلك الأطفال، مقابل أموال طائلة.
وقد قُدم تقرير رسمي إلى النيابة الإيطالية من قبل الصحافي الاستقصائي إتسيو غافاتسيني، الذي جمع وثائق وشهادات حول هذا الملف، لتعود بذلك قضية “سياحة القنص” إلى الواجهة بعد ثلاثة عقود من الحصار الدموي لسراييفو، الذي أودى بحياة أكثر من 10 آلاف شخص.
ووفقا لوسائل الإعلام الإيطالية، يأمل المحققون في تعقب الأشخاص الذين شاركوا في “رحلات السفاري” المزعومة، وأوضحت صحيفة “لا ريبوبليكا” اليومية أن المشتبه بهم كانوا في الغالب من الأثرياء المتعاطفين مع اليمين المتطرف، والذين يعشقون حمل السلاح، حيث غادروا حينها من تريستي في شمال إيطاليا إلى التلال المحيطة بسراييفو.

ودفع القناصة ما يعادل 100 ألف يورو يوميا لقوات صرب البوسنة لإطلاق النار على المدنيين، في حين كانت تكلفة قنص الأطفال أعلى، بحسب أوراق الشكوى المكونة من 17 صفحة.
وقالت وسائل إعلام إنه أثناء مقابلة مع “لا ريبوبليكا”، قدّر غافازيني عدد الإيطاليين المشاركين في العملية بما لا يقل عن 100 شخص، بينما ذكرت “إل جورنالي” ضعف هذا العدد على الأقل، إضافة إلى أجانب من دول أخرى، من بينهم الكاتب الروسي إدوارد ليمونوف الذي وثق فيديو قدومه إلى تلال سراييفو وإطلاقه النار على المدنيين.
من جانبها قالت رئيسة بلدية سراييفو السابقة، كاريتش، إنها علمت لأول مرة بـ”سفاري سراييفو” عام 2022، أثناء توليها منصبها، من خلال فيلم وثائقي يحمل الإسم نفسه، وأخرجه السلوفيني ميران زوبانيش، وكشف فيه أن أجانب دفعوا أموالا لإطلاق النار على المدنيين في سراييفو بدافع الترفيه.
وتؤكد عمدة المدينة أن “فكرة مطاردة البشر كشكل من أشكال سياحة رحلات السفاري في أفريقيا أو آسيا، مُقلقة للغاية ومعادية للحضارة، لم تكن هذه أعمال عنف عشوائية، بل كانت منظمة، ومستغلة ماليا، ونفذت بنية مروعة”، وتضيف “كمواطنة ومحامية، ثم كعمدة لم أستطع الصمت”.
وتشير إلى أنها قدمت شكوى جنائية إلى مكتب المدعي العام في البوسنة والهرسك، وتحديدا إلى الإدارة الخاصة بجرائم الحرب، ولاحقا، أرفقتها بشهادة جون جوردان، وهو رجل إطفاء أميركي خدم مع قوة الأمم المتحدة للحماية في سراييفو وشهد وصول “صيادين أجانب”. وقد قُبلت شهادته كدليل أمام محكمة لاهاي، وأُدرجت في الملف.
وخلال العام الحالي، أحالت كاريتش الشكوى إلى السلطات الإيطالية عبر سفارة إيطاليا في سراييفو، وقد فتح مكتب المدعي العام في ميلانو تحقيقا، وأُتيحت له إمكانية الوصول إلى شهود ووثائق من أجهزة الأمن الإيطالية، كما عرضت رئيسة البلدية الإدلاء بشهادتها وتقديم أي مساعدة ضرورية.
ووصلت أصداء الدعوى إلى الولايات المتحدة، حيث أعلنت عضوة الكونغرس عن الحزب الجمهوري في فلوريدا، آنا باولينا لونا، الأربعاء الماضي، أنها فتحت تحقيقا لمعرفة ما إذا كان أي أميركي قد شارك فيما يُسمى بـ”سياح القناصة” خلال حصار سراييفو.
وقالت على منصة “إكس” إنه “فيما يتعلق بسياحة القتل المزعومة، فقد فتحتُ تحقيقا في هذه المسألة، وأنا على اتصال بالقنصلية البوسنية والسفارة الإيطالية”.
وأضافت “إن دفع المال لإطلاق النار على المدنيين والأسوأ من ذلك إطلاق النار على الأطفال- هو شرٌّ لا يمكن لبلادنا أن تتسامح معه ولن تفعل ذلك. ستتبادل الحكومتان الإيطالية والبوسنية أي معلومات تتعلق بأي أميركي قد يكون متورطا، إذا وُجد، فهو يستحق الاتهام والمحاكمة”.
التحقيق الجديد يسلط الضوء على أحد أكثر الفصول الدموية غرابة في الحرب، حيث يزعم أن بعض القناصة الأجانب كانوا أكثر رعباً من الجنود أنفسهم، إذ كانوا يختارون ضحاياهم بشكل عشوائي، في تصرف يشبه لعبة فيديو أو رحلة سفاري دموية.
وكان الحصار قد استمر أربعة أعوام، من 1992 إلى 1996، بعد إعلان البوسنة والهرسك استقلالها عن يوغوسلافيا، وانتهى باتفاق دايتون للسلام في فبراير 1996.

تجدر الإشارة إلى أن سراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك، كانت قد تأسست عام 1461، وبرزت على مر التاريخ بتنوعها الديني والثقافي، حتى أطلق عليها أحيانًا لقب “قدس أوروبا”.
ويمثل المسلمون الأغلبية في البوسنة بنسبة تقارب 40% من السكان، يليهم الأرثوذكس الصرب بـ31%، ثم الكاثوليك الذين ينحدر معظمهم من أصل كرواتي بنسبة 10%، بينما يشكل اليهود أقلية صغيرة.



