المسيرة الخضراء في ذكراها الـ51.. المغرب يدخل مرحلة ما بعد «المينورسو» ويستعد لتفعيل الحكم الذاتي

لم تكن الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء، والتي خلدتها الممكلة المغربية أمس الجمعة، مجرد محطة لاستحضار حدث تاريخي مفصلي في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، بل تأتي هذه السنة على وقع تحولات أممية وسياسية تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية، عنوانها الأبرز انتهاء ولاية بعثة «المينورسو» والانتقال نحو تفعيل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وتكتسي ذكرى 6 نونبر 2026 أهمية خاصة، في ظل تزامنها مع تطورات متسارعة داخل الأمم المتحدة، أعقبت عدم التوصل إلى توافق بشأن تمديد ولاية البعثة الأممية، وما رافق ذلك من مواقف مغربية رسمية أكدت التمسك بالثوابت الوطنية، مع التشديد على مواصلة المسار السياسي والحفاظ على الاستقرار ووقف إطلاق النار.
وبين تداعيات انتهاء مهمة البعثة الأممية، والتعليمات الملكية المتعلقة بتأمين الأقاليم الجنوبية ومواصلة تنميتها، والتحركات الرامية إلى تحيين مبادرة الحكم الذاتي، يجد المغرب نفسه أمام منعطف جديد في مسار قضية الصحراء، بعد عقود من تدبير النزاع ضمن الإطار الأممي.
نهاية ولاية «المينورسو» وبداية مرحلة جديدة
دخلت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة اختصارا بـ«المينورسو»، مرحلة التصفية الفعلية، بعدما انتهت ولايتها في 31 أكتوبر الماضي دون صدور قرار جديد عن مجلس الأمن بتمديد مهامها.
وأكد جان بيير لاكروا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، خلال مؤتمر صحافي عقد يوم الخميس 5 نونبر الجاري، أن البعثة شرعت رسميا في ترتيبات إنهاء وجودها، تحت إشراف إدارة الدعم العملياتي للأمم المتحدة، وبالتنسيق مع فريق أممي مصغر، بهدف ضمان انسحاب منظم ومسؤول.
وأوضح المسؤول الأممي أن البعثة لم تعد، منذ منتصف ليلة 31 أكتوبر، تتوفر على أي تفويض ميداني باستثناء تنظيم عملية الانسحاب، وهو ما يعني توقف مهام التحقق من احترام وقف إطلاق النار ومراقبة الحوادث العسكرية، وتحول أولوياتها إلى إخلاء المواقع والتصرف في المعدات.
وجاء هذا التطور عقب تعثر مجلس الأمن، في 30 أكتوبر الماضي، في اعتماد مشروعي قرارين متنافسين بشأن الصحراء المغربية؛ إذ حصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضوا، غير أن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماده، فيما امتنعت ثلاث دول عن التصويت، من بينها الصين وباكستان.
في المقابل، لم يحظ المشروع الروسي، الذي دعا إلى تمديد ولاية البعثة لمدة سنة دون إدخال تغييرات عليها، سوى بتأييد ثلاثة أعضاء، بينما صوتت الولايات المتحدة ضده وامتنعت 11 دولة عن التصويت.
وأمام سقوط المشروعين معا، انتهت ولاية البعثة الأممية في موعدها المحدد، ليصدر الديوان الملكي في اليوم نفسه بلاغا اعتبر فيه أن عدم التمديد يشكل تطورا ذا دلالة كبيرة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، مع التأكيد على ضرورة وضع حد لإحالة القضية على مجلس الأمن وتقارير الأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي.
وفي الوقت ذاته، شددت المملكة على استمرار التزامها بوقف إطلاق النار، باعتباره خيارا ثابتا في تدبير هذا الملف.
تعليمات ملكية لتأمين الأقاليم الجنوبية ومواصلة التنمية
بالتوازي مع هذه التحولات، ترأس جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الأربعاء 4 نونبر الجاري، جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط، خُصصت لتحديد التدابير والأولويات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، وذلك بحضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.
وخلال الاجتماع، جدد صاحب الجلالة، التأكيد على مجموعة من الأولويات الاستراتيجية، في مقدمتها الحفاظ على سلامة التراب الوطني ووحدته، وصيانة الأمن الوطني، وضمان طمأنينة السكان، ولا سيما في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
كما أعطى جلالته تعليماته من أجل التعامل مع هذه المرحلة بالحزم واليقظة اللازمين، مع مواصلة تنزيل المشاريع التنموية المهيكلة بالجنوب، بما يضمن استمرارية الأوراش الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز المسار التنموي الذي تعرفه المنطقة.
وشدد جلالة الملك، حفظه الله، في السياق ذاته، على أن التزام المغرب بوقف إطلاق النار يظل التزاما إراديا وثابتا، ولا يرتبط باستمرار ولاية البعثة الأممية أو انتهائها.
ومن أجل مواكبة عملية إنهاء مهام «المينورسو»، أسندت مهمة التنسيق والتتبع إلى مكتب التنسيق مع البعثة، التابع لوزارة الداخلية، في إطار تعاون مع الأمم المتحدة لضمان تدبير منظم لمرحلة الانسحاب.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن عملية التصفية قد تستغرق نحو شهرين، وتشمل إعادة قرابة 160 مراقبا عسكريا إلى بلدانهم، وتقليص نحو 180 موظفا مدنيا، فضلا عن إغلاق 13 موقعا تابعا للبعثة.
من المسيرة الخضراء إلى القرار 2797.. محطات غيرت مسار القضية
تعود جذور التحولات الحالية إلى مسار تاريخي انطلق في 6 نونبر 1975، عندما لبّى 350 ألف مغربي ومغربية نداء المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني، وشاركوا في المسيرة الخضراء انطلاقا من طرفاية، في حدث شكل محطة بارزة في تاريخ استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
وبعد عقود من التطورات السياسية والدبلوماسية، قدم المغرب، في 11 أبريل 2007، مبادرته للحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، باعتبارها مقترحا لتسوية سياسية للنزاع، وهو ما اعتبره مجلس الأمن، بموجب القرار 1754، جهدا جديا وذا مصداقية.
ومنذ ذلك الحين، اتسعت دائرة الدعم الدولي للموقف المغربي؛ ففي دجنبر 2020، أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، قبل أن تتوالى مواقف دولية داعمة لمبادرة الحكم الذاتي، من بينها إسبانيا وألمانيا.
وفي يوليوز 2024، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في رسالة وجهها إلى جلالة الملك محمد السادس، أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت هذه السيادة يمثل الإطار الذي ينبغي أن تُحل في نطاقه القضية. كما انضمت بريطانيا لاحقا إلى قائمة الدول الداعمة للمقترح المغربي.
وشكل اعتماد مجلس الأمن القرار 2797، في 31 أكتوبر 2025، محطة مفصلية في هذا المسار، بعدما حظي بتأييد 11 عضوا، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت.
وعقب التصويت، أعلن الملك محمد السادس، في خطاب متلفز، عزم المملكة تحيين مبادرة الحكم الذاتي وتفصيل مضامينها، قبل تقديمها إلى الأمم المتحدة باعتبارها أساسا للتفاوض، كما تقرر اعتماد 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا للوحدة.
تحيين الحكم الذاتي.. من المبادرة السياسية إلى التفاصيل العملية
لم يتوقف التحرك المغربي عند حدود الترحيب بالقرار الأممي، بل انتقل إلى مرحلة إعداد تصور أكثر تفصيلا لمبادرة الحكم الذاتي، بما ينسجم مع التحولات الدبلوماسية الجديدة ويهيئ أرضية عملية للمفاوضات المقبلة.
وفي هذا الإطار، احتضن الديوان الملكي، يوم 10 نونبر 2025، اجتماعا مع قادة الأحزاب السياسية، خُصص للتشاور بشأن تحيين المبادرة وتفصيل مقتضياتها، حيث التزمت مختلف الهيئات الحزبية بإعداد مذكرات تتضمن تصوراتها ومقترحاتها.
وفي فبراير 2026، قدم وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، خلال مفاوضات مدريد التي جرت بوساطة أمريكية، صيغة محينة ومفصلة من المبادرة المغربية لسنة 2007.
وتحدثت تقارير صحافية عن احتمال بلوغ الوثيقة الجديدة نحو 40 صفحة، تتناول قضايا توزيع الاختصاصات، وتدبير الموارد المالية للجهة، والترتيبات المرتبطة بعودة السكان، غير أن هذه التفاصيل لم تُدعّم بوثيقة رسمية منشورة تؤكد مضمونها بشكل كامل.
كما أفاد التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة بأن المغرب تقاسم، خلال يناير 2026، مشروع النظام الأساسي للحكم الذاتي مع المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، والولايات المتحدة، إلى جانب الجزائر وموريتانيا وجبهة «البوليساريو»، باعتباره أرضية قابلة للتفاوض.
ويرتكز المسار المقترح، وفق التقرير الأممي، على مراحل متدرجة، تبدأ باعتماد المبادرة المغربية أساسا للمحادثات، ثم التفاوض بشأن اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، وصولا إلى بلورة نموذج مفصل للحكم الذاتي.
وبينما دخلت قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة بعد انتهاء ولاية «المينورسو»، يظل نجاح هذا المسار مرتبطا بما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة، ومدى قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من المواقف السياسية إلى تفاهمات عملية، في ظل غياب جدول زمني معلن لاستكمال هذه المراحل.



